سيف الدين الآمدي
93
غاية المرام في علم الكلام
الرسول ، والبرهان القاطع على صدقه ، وذلك يجب أن يكون من الأفعال الخارقة للعادات ، المقارنة لتحدي الأنبياء بالرسالات ، فإنه إن كان قديما أزليا لم يكن ذلك مختصا ببعض المخلوقين دون البعض ؛ إذ القديم لا اختصاص له . ولو جاز أن يجعل بعض الصفات القديمة معجزا لجاز ذلك على باقي الصفات كالعلم والقدرة والإرادة ؛ إذ الفرق تحكم لا حاصل له . ومما يدل على أنه فعل اللّه تعالى ما ورد به التنزيل من قوله : ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ [ الأنبياء : 2 ] وقوله : وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا [ الأحزاب : 37 ] وقوله : إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا [ الزخرف : 3 ] إلى غير ذلك من الآيات . وأيضا فإن الأمة من السلف مجمعة على أن القرآن كلام اللّه ، وهو منتظم من الحروف والأصوات ، ومؤلف ومجموع من سور وآيات . ومن ذلك سمي قرآنا ، أخذا من قول العرب : « قرأت الناقة لبنها في ضرعها » أي جمعته ، ومنه قوله : إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ [ القيامة : 17 ] ولولا ذلك لما تصور أن يسمعه موسى ، وهو لا محالة قد سمعه . وهو مع ذلك مقروء بألسنتنا ، محفوظ في صدورنا ، مسطور في مصاحفنا ، ملموس بأيدينا ، مسموع بآذاننا ، منظور بأعيننا . ولذلك وجب احترام المصحف وتبجيله ، حتى لا يجوز للمحدث لمسه ، ولا القربان إليه . ولا يجوز للجنب تلاوته . وقد وردت الظواهر من الكتاب والسنة تدل على كونه مسموعا وملموسا وأنه بحرف وصوت ، فمن ذلك قوله سبحانه : وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [ التوبة : 6 ] وقوله : لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [ الواقعة : 79 ] وقول النبي صلى اللّه عليه وسلم « لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو فتتناوله أيديهم » وقوله : « إذا تكلم اللّه بالوحي سمع صوته كجر السلسلة على الصفا » ، وقوله عليه السلام « من قرأ القرآن وأعربه فله بكل حرف منه عشر حسنات » إلى غير ذلك من السمعيات .